أحمد فارس الشدياق
155
الواسطة في معرفة أحوال مالطة
وقال آخر : « إن تجارة الحديد في بلاد الإنكليز كما هي الآن من إبداع هنري كورت لأنّا قبل سنة 1783 كنّا نجلب جلّ لوازمنا من الحديد المصنوع من سواحل بحر البلتيك ، ولم تكن طريقة لصنع هذا الجوهر الذي يصدق عليه أن يسمّى جوهر الجواهر سوى تطريقه بمطارق ضخمة ثقيلة بعد إحمائه في فرن ، وهو أسلوب قديم يجري مع قدم أيام الخرافات ، وما عدا ما كان يتبعه من التعب والكلال فكان يلزم له أجم كثيرة لتفي بالوقود اللازم لإحمائه ، وحيث لم يكن عندنا منها ما يكفي كان لا بدّ لنا من استجلابه من الروسية والسويد حيث الأجم كثيرة ، والحديد يسهل صنعه فيها بالنسبة إلى هذا الصقع وإلى سعره فيها . فكانت معادننا الجزيلة تبقى معطّلة إلى أن قام هنري كورت المذكور ، وأعمل فكره الثاقب في ابتكار طريقة جديدة تكثر بها منافع هذا المعدن ، وتقلّ الصعوبة في صنعه ؛ فأدّاه الاجتهاد والتّبحّر إلى إحداث فرن هواء بواسطة لهيب النار المنبعث من فحم الحجر ، فكان يحمي به الحديد وهو تبر « 143 » ويصفّيه ثم يجعله قصبانا مسبوكة من دون فحم ولا مطرقة . ولكن لم يتهيّأ له إتقان هذا الحمل « 144 » إلا بعد أن أنفق عليه عشرين ألف ليرة ، ومنذ ذلك الوقت استغنينا عن حديد السويد والنورويج . ثم لم تمض أربع عشرة سنة حتى صار ما يصنع منه في بلادنا قدر ما كنّا نجلبه من بحر البلتيك ، ثم صار ما يصنع منه على هذا المنوال موازيا لمائتي ألف طن ، منها خمسون ألفا ترسل إلى الخارج . وهذا القدر هو ما كنّا نفتقر إلى جلبه سابقا من البلاد الأجنبية . وقد صنع منه في سنة واحدة من هذه السنين المتأخرة في معمل بوالس أكثر ممّا كان يصنع منه في المملكة بضعفين . فأعظم به من اختراع يعدّ من أعظم الأسباب الموجبة لثروة أهل هذه البلاد ، ولاستقلالهم بأعمالهم ؛ إذ لو لاه لم يتأتّ إنشاء سكك الحديد ، والبواخر وغيرها . ولا يخفى ما في ذلك من المنافع فهو لنا بمنزلة إبرة المغنطيس لكشف الدنيا الجديدة . فما أجدر مخترعه بأن يحسب ندّا لواط ، وما أخلق بلادنا بأن تظهر كونها ممنونة له على مرّ الأيّام إلى أن قال : ومع أنّه
--> ( 143 ) التبر : المعدن قبل أن تتم تنقيته من الشوائب ( خام ) . ( م ) . ( 144 ) كذا وردت ، وأحسبها : العمل . ( م ) .